ساسي سالم الحاج

96

نقد الخطاب الاستشراقي

ولكنه كعادته يتناول الخبر مهما كان ضعيفا ويبني عليه ما شاء من الأحكام التي تعنّ له دون تمحيص ودراسة عميقين . ولعلّ آراء كل من « بوهل » وتوري Tory وبعض كتّاب الموسوعة اليهودية تستأهل وقفة في هذا الصدد . فهم يرون أن المقصود من « الأمّيين » هنا هم الوثنيون . وأن هذه الكلمة مشتقة من اليهود الذين كانوا يطلقون لفظة « أمت » « أميم » على غيرهم من الأقوام الوثنيين الذين لا كتاب مقدّسا لديهم ، كما في جملة « أمّت هاعا لو لام « Ummot Ha Olam » « 1 » ، ومع أن التفاسير الإسلامية سبقت هذه الآراء كما أسلفنا ، واتفقت على أن المقصود « بالأمّيين » هم الأقوام الذين لا كتاب مقدّسا لديهم ، فإن هذا التحليل لا يعني أن الرسول عندما وصفه القرآن « بالأمي » كان هو الآخر ينتمي إلى هؤلاء القوم . وأن هذه الصفة قد أطلقت عليه لهذا الغرض . ولكن المقصود منها هو أن الرسول لا يعرف القراءة والكتابة . وأن ما جاء به من الحكمة وفصل الخطاب والقصص وأحكام الشرائع لم يطلع عليها في مصادر أجنبية كالتوراة والإنجيل . ولكنها أنزلت عليه من لدن عزيز حكيم لهداية الناس إلى الطريق المستقيم وإخراجهم من الظلمات إلى النور . كما أن جميع الروايات التي تصف الرسول بأنه كتب يقصد منها أمر من يحضره من الكتّاب بالكتابة . وعندما نسب إليه في آخر لحظات عمره بأنه طلب من الحاضرين إحضار أدوات الكتابة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا من بعده كان المراد منه إحضار تلك الأدوات ليملي على بعض الكتبة وصيّته للمسلمين فيما يتعلق بشؤون الحكم والسياسة حتى لا يختلفوا من بعده ويعودوا إلى الجاهلية الأولى فيضرب بعضهم رقاب بعض من أجل السلطة . ونحن إذا محصّنا كلّ الروايات الإسلامية تمحيصا علميّا دقيقا لوجدنا أنها متفقة جميعا على أميّة الرسول قبل البعثة . ولكنها اختلفت بعدها ، إذ رأى بعضهم أن الرسول ربما تعلّم القراءة والكتابة وهو رأي استشهد به « الألوسي » و « القرطبي » . ومع ذلك فإن الأخير قد أكّد أميّة الرسول بعد مبعثه واقتصر في تفسيره على عرض الآراء التي تجوّزه .

--> ( 1 ) أ - Shorter Ency . p . 764 . ب - Haroviitz , Koranische utersuch ungen , 1929 , s . 51 . ج - Noldeke Geschichte des Qorans 1 . 5 . 14 . وقد ذكر هذه المصادر د . جواد علي ، المرجع السابق ، جزء 8 هامش ، ص 105 .